مجموعة مؤلفين
195
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
الحق في ذاته ، فلا يصح وجود العالم البتة إلا بوجود الحق تعالى ، وإذا انتفى الزمان عن وجود الحق تعالى وعن وجود بدء العالم ، فقد وجد العالم في غير زمان ، فلا نقول من جهة الحقائق : إن اللّه موجود قبل العالم ، إذ قد ثبت أن القبلية من صيغ الزمان ولا أن العالم بعد وجود الحق إذ لا بعدية ولا مع وجود الحق ، فإن الحق هو الذي أوجده وهو فاعله ومخترعه ولم يكن شيئا ، ولكن كما قلنا : الحق موجود بذاته والعالم موجود به . فإن سأل متوهم : متى كان وجود العالم من وجود الحق ؟ قلنا : « متى » سؤال عن الزمان ، والزمان من عالم الغيب ، هو مخلوق للّه تعالى ، فهذا السؤال باطل ، فانظر كيف تسأل ، فإياك أن تحجبك أدوات التوصيل عن تحقيق هذه المعاني وتحصيلها ، فلم يبق إلا وجود صرف خالص لا عن عدم وهو وجود الحق تعالى ، ووجود عن عدم وهو وجود العالم ، ولا بينية بين الوجودين ، ولا امتداد إلا التوهم المقدر الذي يحيله العلم ولا يبقى منه شيئا . ثم قال : لما علم الحق نفسه علم العالم ، إذ لم يزل العالم مشهودا له سبحانه وتعالى ، ولم يكن موجودا لنفسه ، فلم يكن مشهودا لنفسه ، انتهى . ولو أردت أن أجمع كلام الشيخ في حدوث العالم لكان مجلدة كبيرة ، وفيما أوردناه كفاية لإهل العناية . وقال في « عقلة المستوفز » : إن اللّه كان ولا شيء معه وهو يعلم ، ويريد بقاء المعدوم في العدم أي موصوفا بالعدم ، يعلم نفسه بنفسه ، ويسمع كلامه من كونه متكلما ، ويرى ذاته وهو الحي لذاته ، فهذه الأسماء والنسب وهي الحي ، العالم ، السميع ، البصير ، المريد هي التي لم يزل حكمها أزلا ، وأما كونه قادرا ، ورازقا ، وخالقا ، ومبدعا ،